كم بلغ حجم التمويل المخصص للمناخ في العراق؟
الخلاصة
بين عامي 2016 و2023، تم الالتزام بـ 4.32 مليار دولار للعراق كتمويل تنموي مرتبط بالمناخ، بحسب بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD من منظور المستفيد. لكن هذا الرقم لا يعني أن الأموال صُرفت فعلياً أو وصلت بالكامل إلى العراق. ما تكشفه البيانات هو أن التمويل المناخي المرتبط بالعراق يتشكل بدرجة كبيرة عبر الديون، والمشاريع الكبيرة، والبنية التحتية، وعدد محدود من الممولين، خصوصاً اليابان والبنك الدولي.
كما أن العراق سجل التزامات أقل من مصر والمغرب ونيجيريا والأردن خلال الفترة نفسها. ومن حيث طبيعة التمويل، كانت التزامات العراق 54.1% للتخفيف، و33.0% للتكيف، و12.9% لمشاريع مشتركة أو متقاطعة. أما أهم القطاعات الفرعية التي ظهرت في البيانات فتشمل النفط والغاز، أنظمة المياه الكبيرة، نقل وتوزيع الكهرباء، الحماية الاجتماعية، تصنيع الطاقة المرتبط بالوقود الأحفوري، توليد الطاقة غير المتجددة، الموارد المائية الزراعية، والطاقة الكهرومائية.
المقدمة
دائما ما نقول في العراق اننا نحتاج الى تمويل مناخي اكبر. وهذا صحيح، لكنه ليس سوى بداية القصة.
السؤال الأصعب هو: ما التمويل المناخي الذي تم الالتزام به فعلاً للعراق؟ ومن التزم به؟ ولأي مشاريع؟ وبأي شروط؟ عند النظر إلى بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية حول التمويل التنموي المرتبط بالمناخ للفترة 2016-2023، تصبح الصورة أكثر تعقيداً: هناك مليارات مسجلة باسم العراق، لكن جزءاً كبيراً منها ديون، وتمويل مشاريع كبيرة، وتمويل مرتبط بالبنية التحتية، وليس مجرد منح مباشرة.
هذا المقال يقدم ما تقوله البيانات، وما لا تقدمه، ولماذا يحتاج العراق إلى نظام او اطار وطني أوضح لتتبع التمويل المناخي من مرحلة الالتزام إلى مرحلة الصرف والتنفيذ والأثر.
اخترت الفترة 2016-2023 لأنها آخر فترة تتوفر عنها البيانات في الملف المستخدم.
التمويل المناخي المرتبط بالعراق 2016-2023
بحسب بيانات OECD من منظور المستفيد، تم الالتزام بـ 4.32 مليار دولار للعراق بين 2016 و2023.
هذا المقال يحلل الالتزامات وليس المدفوعات الفعلية. الالتزام يعني أن التمويل أُقر أو خُصص لمشروع. أما المدفوعات فهي الأموال التي تُصرف فعلياً، وغالباً ما تتم على مدى سنوات. لذلك، لا ينبغي قراءة الرقم على أنه كل ما وصل أو صُرف داخل العراق. كما أنه ليس بالضرورة حصة العراق الدقيقة من حسابات هدف الـ100 مليار دولار، ولا يمثل الصورة الكاملة لتمويل المناخ عالمياً. لكنه يبقى خريطة مهمة لما تم الالتزام به باسم العراق.
يقع العراق خلف مصر والمغرب ونيجيريا والأردن في إجمالي الالتزامات خلال 2016-2023. سجلت مصر 16.89 مليار دولار، والمغرب 12.62 مليار دولار، ونيجيريا 9.57 مليار دولار، والأردن 6.17 مليار دولار، مقابل 4.32 مليار دولار للعراق. هذه المقارنة يجب أن تدفع العراق إلى سؤال مباشر: هل المشكلة في اراء الممولين؟ أم في إعداد المشاريع؟ أم في أولويات القطاعات؟ أم في مخاطر التنفيذ؟ أم في ضعف التنسيق الوطني؟ أم في غياب حزمة مشاريع مناخية قابلة للتمويل ومرتبطة بأولويات العراق؟
النمط السنوي مهم أيضاً. شهد العراق قفزة واضحة في عام 2022، عندما وصلت الالتزامات إلى 1.11 مليار دولار. لكن هذه القفزة لا تجعل العراق حالة استثنائية مقارنة بالدول الأخرى خلال الفترة كلها. يوضح الشكل أن العراق لديه سنوات مرتفعة وسنوات منخفضة، بينما سجلت بعض الدول المقارنة سنوات كبيرة بشكل متكرر.
العراق يعتمد على الديون، لكنه ليس وحده
تمثل أدوات الدين 78.8% من التزامات العراق، بينما تمثل المنح 21.2%.
هذا يعني أن التمويل التنموي المرتبط بالمناخ في العراق ليس في معظمه أموالاً مجانية. إنه يتشكل بقوة عبر قروض ومشاريع كبيرة. وهذا مهم لأن التمويل المناخي يمكن أن يدعم البنية التحتية والقدرة على الصمود، لكنه قد يزيد أيضاً من التعرض للدين إذا كان معتمداً بالأساس على القروض.
العراق ليس حالة منفردة. مصر والمغرب وكازاخستان ونيجيريا والأردن أيضاً تعتمد بدرجة كبيرة على أدوات الدين في هذه البيانات.
الدين ليس سيئاً بالضرورة. مشاريع المياه والطاقة والبنية التحتية تحتاج أحياناً إلى رأس مال كبير لا يمكن تغطيته بالمنح وحدها. لكن الشروط مهمة سياسياً ومالياً. إذا قُدم التمويل المناخي داخلياً بوصفه دعماً لبلد يواجه مخاطر مناخية شديدة، فإن محفظة يغلب عليها الدين تروي قصة أكثر تعقيداً.
على العراق أن يميز بوضوح بين المنح، والقروض الميسرة، والقروض غير الميسرة، والضمانات، والمساعدة الفنية في تقاريره الوطنية. الرقم الكلي وحده يخفي الفرق بين تمويل يوسع الحيز المالي وتمويل يجب سداده.
التمويل المناخي حسب الموضوع
توزعت التزامات العراق إلى 54.1% للتخفيف، و33.0% للتكيف، و12.9% لمشاريع مشتركة أو متقاطعة. هذه المقارنة مهمة لأنها توضح أن قصة العراق ليست قصة تكيف فقط، رغم أن هشاشته المناخية تُناقش غالباً من زاوية المياه والحرارة والزراعة وسبل العيش.
مصر وكازاخستان أكثر ميلاً نحو التخفيف. المغرب أكثر توازناً. الأردن ونيجيريا لديهما حصص كبيرة من المشاريع المتقاطعة.
من التزم بالتمويل للعراق؟ ولأي مشاريع؟
اليابان هي أكبر ممول ظاهر في سجلات العراق، بقيمة 2.36 مليار دولار. ويأتي البنك الدولي بعدها بقيمة 882.2 مليون دولار. كما تُسجل مؤسسات الاتحاد الأوروبي بشكل منفصل عن الدول الأوروبية، والتي تحتل المركز الثالث كما ادناه.
أكبر المشاريع المسجلة تشمل تطوير مصفاة البصرة، تحسين إمدادات المياه، إعادة إعمار الكهرباء، الحماية الاجتماعية، الري، والتنمية في حالات الطوارئ. لذلك، الرقم الكلي وحده غير كاف. يجب النظر إلى طبيعة المشاريع نفسها.
التمويل المناخي حسب القطاعات الفرعية
أهم القطاعات الفرعية التي ظهرت في البيانات هي النفط والغاز، أنظمة المياه الكبيرة، نقل وتوزيع الكهرباء، الحماية الاجتماعية، تصنيع الطاقة المرتبط بالوقود الأحفوري، توليد الطاقة غير المتجددة، الموارد المائية الزراعية، والطاقة الكهرومائية. وهذا يساعد في تفسير سبب اعتماد جزء كبير من هذه الالتزامات على الدين، لأنها ليست في معظمها مشاريع تكيف مباشرة أو خسائر وأضرار، بل مشاريع بنية تحتية وطاقة ومياه.
الخلاصة لصانع القرار ليست فقط أن العراق يحتاج إلى تمويل مناخي أكبر. السؤال الأهم هو: أي نوع من التمويل؟ من أي ممولين؟ بأي شروط؟ لأي قطاعات؟ وفي أي مناطق؟ وكيف نعرف أن الالتزامات تحولت إلى صرف وتنفيذ وأثر مناخي فعلي؟
العراق يحتاج إلى نظام وطني لتتبع التمويل المناخي، يربط بين الالتزامات والمدفوعات والتنفيذ والنتائج، ويفصل بوضوح بين المنح.
د. أحمد كَيلاني
خبير ومستشار دولي - قطاع الطاقة والتغير المناخي وصنع السياسات









